أبي بكر جابر الجزائري

237

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

مِنْ لَدُنْهُ : من عنده سبحانه وتعالى . أَجْراً حَسَناً : أي الجنة إذ هي أجر المؤمنين العاملين بالصالحات . كَبُرَتْ كَلِمَةً : أي عظمت فرية وهي قولهم الملائكة بنات اللّه . إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً : أي ما يقولون إلا كذبا بحتا لا واقع له من الخارج . باخِعٌ نَفْسَكَ : قاتل نفسك كالمنتحر . بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً : أي بالقرآن من أجل الأسف الذي هو الحزن الشديد . معنى الآيات : أخبر تعالى في فاتحة سورة الكهف « 1 » بأنه المستحق للحمد ، وأن الحمد للّه وذكر موجب ذلك ، وهو إنزاله على عبده ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب الفخم العظيم وهو القرآن العظيم الكريم فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وقوله تعالى ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً « 2 » أي ولم يجعل لذلك الكتاب العظيم عوجا أي ميلا عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه فهو كلام مستقيم محقق للآخذ به كل سعادة وكمال في الحياتين . وقوله قَيِّماً أي معتدلا خاليا من الإفراط والتفريط قيما على الكتب السابقة مهيمنا عليها الحق فيها ما أحقه والباطل ما أبطله . وقوله لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ أي أنزل الكتاب الخالي من العوج القيم من أجل أن ينذر الظالمين من أهل الشرك والمعاصي عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ينزل بهم من عند ربهم الذين كفروا به وأشركوا وعصوه وكذبوا رسوله وعصوه . ومن أجل أن يبشر بواسطته أيضا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * أي يخبرهم بما يسرهم ويفرح قلوبهم وهو أن لهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وقوله تعالى : وَيُنْذِرَ بصورة خاصة أولئك المتقولين على اللّه المفترين عليه بنسبتهم الولد إليه فقالوا : اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وهم اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات اللّه ! هذا ما دل عليه قوله تعالى : وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وهو قول توارثوه لا علم لأحد منهم به ، وإنما هو مجرد كذب يتناقلونه

--> ( 1 ) روى ابن إسحاق في سبب نزول سورة الكهف حديثا طويلا خلاصته أنّ وفدا من قريش أتوا اليهود بالمدينة وقالوا لهم أنتم أهل الكتاب فأخبرونا عن صاحبنا هذا - محمد صلّى اللّه عليه وسلّم - فقالت اليهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل فإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان من أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل طوافة قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه ؟ ؛ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل فانظروا في أمره ما بدا لكم وأتى الوفد مكة وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ؛ ولم يستثن أي : لم يقل إن شاء اللّه فانقطع الوحي نصف شهر ثم نزلت سورة الكهف وفيها جواب ما سألوا . ( 2 ) العوج : ضد الاستقامة وهو الانحراف في الذوات والمعاني وتكسر عينه وتفتح ، وقيل : الكسر في المعاني والفتح في الذّوات .